ابن سبعين

58

رسائل ابن سبعين

واعلم أن جميع ما دون في التصوف والحكمة وغير ذلك مما يجر إلى هذا الشان وجميع ما سمعت من العلوم المضنون بها والحكمة الإشراقية وسر الخلافة ونتيجة النتائج ، كل ذلك في الوجه الأول من وجوه التصوف . والتصوف تسعة أوجه ، وبعدها حبل التحقيق ، وبعد الحبل نبدأ بعالم السفر ، وبعد السفر تقرع باب التحقيق والنور المبين ، والهرامسة خاصة علموه ، والكتب المنزلة أفادتهم وأما الفلاسفة بأجمعهم ورؤسائهم من المشائين ورئيس المشائين أرسطو وأتباعه من غير ملة الإسلام : ثامسطيوس والإسكندر الأفرودسي وفرفريوس القبرسي وأرسطاليس الصقلي وأتباعه من ملة الإسلام مثل الفارابي وابن سينا وابن باجه المذكور في آخر « القلائد » والقاضي ابن رشد في بعض أمره ، والسهروردي مؤلف « حكمة الإشراق » والتلقيحات والنبذ في أكثره ، والغزالي بوجه ما ، وابن خطيب الرّي في بعض صنائعه ، وجميع النبهاء فإنهم لم يصلوا إليه لقصورهم عنه ، ولأن علومهم وصنائعهم دون ذلك كله واللّه على ما نقول وكيل . والصوفية كذلك إلا السلف الصالح ، أعني صحابة سيد السادات محمد صلى اللّه عليه وسلّم فإنهم علموه ، ومعلمهم هو العظيم الذي إذا نظر العارف في شأنه وتتبعه وتصفحه وتأمله على ما ينبغي ويجمل به ويصح في حقه علم أن أهل الحق كلهم نقطة من ذكره وذرة من قفره . وها أنا أذكر لك في العدم والمعدومات والإعدام ما في الكفاية وبعض الجواب الذي وعدتك به فتصفحه ، واللّه يخلصك ويخصصك ويجعلك تفعل بإكسير سرك الإنساني الذي إذا جعلته في بوط التوجه والفكر على قلب الشرير داخل الذهن وخارجه ، وسبكته بنار العلم والذكر انقلب في الحين إلى ضده واتصف المحل به وظفر بجهده وجهده بمنه وكرمه . فتقول وباللّه التوفيق : العدم يطلق على أنواع كثيرة ، أحدها : أن يعدم النوع ما ليس في طبعه أن يوجد له ، مثل عدم النبات الحس . والثاني : أن يعدم الشيء ما شأنه أن يوجد له في طبعه أو شأن جنسه مثل الإنسان الأعمى ، فإنه عدم من البصر ما في طبعه أن يوجد له وفي طبع نوعه أو جنسه ، أو يعدم ما شأنه أن يوجد له في طبع جنسه لا في طبعه مثل الخفاش ، فإنه عدم من البصر ما في طبع جنسه الذي هو الحيوان أن يوجد له في الوقت . والذي يعدم ما في طبعه أن يوجد له نوعان : أحدهما أن يعدم الذي شأنه أن يوجد له مثل أن يعدم الطفل البصر خارج الرحم أو جرو الكلب في الوقت الذي يفتح فيه عينيه .